الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
131
نفحات الولاية
2 - اتباع الهوى وطول الأمل من أعدى أعداء الإنسان لابدّ من التعامل بصورة جادة مع التحذير الذي اختتمت به الخطبة بشأن الأخطار الكبرى التي يفرزها اتباع الهوى وطول الأمل ؛ فهما مكمن الخطر والمأساة التي تصيب الإنسان . فاتباع الهوى يعد أعظم عقبة تعترض سبيل سعادة الإنسان . فالاستسلام المطلق للشهوات والأهواء النفسية يعد العدو اللدود لسعادة البشرية . القرآن الكريم من جانبه حذر حتى الأنبياء من هذا العدو الفتاك ، ومنهم نبي اللَّه داود عليه السلام الذي قال بشأنه « وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » « 1 » كما صور هوى النفس في موضع آخر بالصنم الذي يعبد من دون اللَّه « أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ » « 2 » . والحق أن اتباع الهوى ليعمي البصيرة ويصم السمع ويختم على العقل والفكر ويحول دون الإنسان وتمييز بديهيات الحياة ، فهل هنالك من خطر أعظم وأفدح منه ؟ ! ومن هنا اقتصر القرآن بوعده الجنّة لُاولئك الذين يخشون اللَّه ويسيطرون على أهوائهم « وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوى » « 3 » . طول الأمل هو الآخر من أسوأ وأخطر العقبات التي تعترض سبيل السعادة الإنسانية ؛ فقد دلت التجارب على مدى التأريخ أنّ آمال الإنسان الخيالية لا تقف عند حدود ، فلا يزداد نحوها إلّاتعطشاً . ومن الطبيعي أنّ مثل هذه الآمال تشل حركة الإنسان وتسلبه جميع طاقاته الفكرية والبدنية ولا تبقى له شيئاً يشده نحو الآخرة . فإننا نعرف بعض الأفراد الذين عاشوا هذه الآمال الكاذبة حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم دون أن يلتفتوا حتى لتربية فلذات أكبادهم . ومن عجائب هذه الآمال ، أنّ الإنسان كلما تقدم أكثر كانت هذه الآمال أكذب بحيث تضاعف غرور الإنسان وتصده عن الواقع . وهذا هو الوضع السائد لدى الكفّار والذي أشار إليه القرآن في خطابه لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله « ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ
--> ( 1 ) سورة ص / 26 . ( 2 ) سورة الجاثية / 23 . ( 3 ) سورة النازعات / 40 - 41 .